سيد محمد طنطاوي
41
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أَمَرْتُكَ . . . « 1 » . فهذه الآية تدل دلالة صريحة على أن اللَّه - تعالى - قد أمر إبليس بالسجود لآدم . . . ووجود إبليس مع الملائكة لا يستلزم أن يكون منهم ، ومثل ذلك كمثل أن تقول : حضر بنو فلان إلا محمدا ، ومحمد ليس من بنى فلان هؤلاء ، وإنما هو معهم بالمجاورة أو المصاحبة أو غير ذلك . هذا ما نختاره ونميل إليه ، استنادا إلى ظاهر الآيات وظاهر الأحاديث ، واللَّه - تعالى - أعلم . وقوله - سبحانه - : * ( قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَه مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) * بيان لما وبخ اللَّه - تعالى - به إبليس ، ولرد إبليس - لعنه اللَّه - على خالقه - عز وجل - . أي : قال اللَّه - تعالى - لإبليس على سبيل التوبيخ والزجر : أي سبب حملك على مخالفة أمرى ، وجعلك تمتنع عن السجود لمن أمرتك بالسجود له ؟ فكان رد إبليس : ما كان ليليق بشأنى ومنزلتي أن أسجد مع الساجدين لبشر خلقته - أيها الخالق العظيم - من صلصال من حمأ مسنون . ومقصود إبليس بهذا الرد إثبات أنه خير من آدم ، كما حكى عنه - سبحانه - ذلك في قوله - تعالى - قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْه خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَه مِنْ طِينٍ « 2 » . وهذا الرد منه يدل على عصيانه لأمر ربه ، وعدم الرضا بحكمه ، وسوء أدبه مع خالقه - سبحانه - . قال الآلوسي : وقد أخطأ اللعين حيث ظن أن الفضل كله باعتبار المادة ، وما درى أنه يكون باعتبار الفاعل ، وباعتبار الصورة ، وباعتبار الغاية ، بل إن ملاك الفضل والكمال هو التخلي عن الملكات الردية ، والتحلي بالمعارف الربانية . فشمال والكأس فيها يمين ويمين لا كأس فيها شمال « 3 » وقوله - سبحانه - : * ( قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) * بيان للحكم العادل الذي أصدره اللَّه - تعالى - على إبليس .
--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 12 . ( 2 ) سورة ص الآية 76 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 43 .